الشيخ محمد حسن المظفر
48
دلائل الصدق لنهج الحق
ثمّ إنّ قول المصنّف رحمه اللَّه : « الإدراك أعرف الأشياء وأظهرها ، وبه تعرف الأشياء » إنّما هو كقولهم : العلم بديهي التصوّر ، وغيره يعرف به ، فلا يحدّ . فالإدراك حينئذ - أعني الإحساس بالحواسّ الظاهريّة - بمنزلة العلم الذي هو الإدراك بالقوى الباطنية ، في كونهما معا بديهيّين ، مفهوما ، ووجودا ، وشروطا . وهذا كلام ظاهر المفهوم ، محصّل المعنى ، لمن له تحصيل ! ثمّ إنّ المصنّف رحمه اللَّه أراد بمبدأ الفطرة : ما قبل الولادة ، وهو زمن تعلَّق النفس الحيوانية - أي قوى الحيوان المدركة والمحرّكة - بالبدن ، لقوله : « فيحسّ الطفل في أوّل ولادته » . إذ لا يجتمع إثبات الإحساس له مع قوله : « النفس في مبدأ الفطرة خالية من جميع العلوم » لو أراد ب « مبدأ الفطرة » ما هو عند الولادة ، فلا بدّ من اختلاف الزمان ، وأنّه أراد ب « مبدأ الفطرة » ما قبل الولادة . كما أنّه أراد بالأطفال : مطلق الصغار - ولو قبل الولادة - لا خصوص المولودين ، ولذا حكم بخلوّهم عن العلوم في مبدأ الفطرة ، حتّى العلم بذواتهم ، إذ لا دليل على استثنائه - كما فعله الخصم تقليدا لغيره - ، فإنّ الحياة لا تستلزم الشعور والإدراك حتّى للذات . ولذا ترى من أصابه البنج [ 1 ] حيّا لا إدراك له أصلا ، ولا نعرف
--> [ 1 ] البنج : نبت معروف مسبت مخدّر ، مخبّط للعقل ، مجنّن ، مسكَّن لأوجاع الأورام والبثور وأوجاع الأذن ، طلاء وضمادا . انظر : تاج العروس 3 / 300 ، مجمع البحرين 2 / 279 ، مادّة « بنج » ، وانظر أيضا : ألف باء الأعشاب والنباتات الطبّية 1 / 313 رقم 150 .